بعد المطر - محمد مهدي الجواهري

عاطى نباتُ الأرض ماءَ السما
مالا تُعاطيه كؤوسُ الرحيقْ

وبات إذ حطَّ بها ثِقْلَه
يكلِّف الأرض بما لا تُطيق

أوشكتِ القِيعانُ ، إذ فُتّحت
لها السما ، مما عراها تَضيق

واهتدت الشمس لتجفيفها
فابتعثتْ شكرَ النبات الغريق

الجوُّ زاهٍ ، والثرى فائحٌ
ومنظر الأرض لطيفٌ أنيق

والعُود يهتزّ لمرِّ الصَّبا
والروضُ من سَكرته لا يُفيق

والغيثُ يَهمي أين من صَفوهِ
وهو جديدٌ ، خمرُ دنٍّ عتيق

تفتَّحي خُضْرَ الرُّبى للنَّدى
في مَبسِم الفجر – متى شئتِ – ريق

وعطّري ريحَ الصَّبا بالشَّذى
وانفتقي عن فار مسك فتيق

كلُّ فصولِ الدهر لا تُشترى
بالنزْر من نَشْرِ شذاك العبيق

جاء الربيعُ الطلق فاستبشري :
غريمُكِ البردُ طريدٌ طليق

مثل الذي لاقيت من ذا وذا
يصدف في الدهر انفراجٌ وضيق

صوبَ الحيا رفقاً فكم لطمة
أنزلتها قسراً بخدِّ الشقيق

كأن نَضْحَ القَطْرِ من فوقه
ذائبُ دُرٍّ في أواني عقيق

إني تخالفت وزهرَ الرُّبى
والكلُّ منا ذو مزاج رقيق

أنفاسها نشرُ شذىً نافحٍ
وحرّ أنفاسي شواظُ الحريق

كلُّ وجوه الأرض مكسوَّةٌ
لفائفَ الأزهار حتى الطريق