أطِل مكثاً ..
عسى أنْ لا يطولَ بكَ الوُقوفُ
وأنْ يَعتَجَّل الزمنُ الرَّسيفُ

وأنْ ينجابَ عنكَ غُبارُ بُؤسٍ
يَضيقُ به مُحيَّاك الأسيف

أقِمْ كتِفَيْكَ لا يُثْقِلْكَ ذُلْ
ولا يشمَتْ بكَ القَصْرُ المُنيف

ولا يَقُلِ السَّريُّ هنا شقيٌّ
يَضيقُ بذُلِّ وَقْفَته الوصيف

تقدَّمْ إنَّ خلفَكَ راسفاتٍ
جماهيراً يضِجُّ بها الرَّصيف

صُفوفاً للسُجونِ بها تُعَبَّا
إذا أزِفَتْ ، وتنتَظِمُ الصُفوف

وأجنِحةً وإن طُويَتْ ففيها
على الأجيالِ ، قادِمةً ، رفيف

أطِلْ مُكثاً فانَّكَ عن قريبٍ
ستَنْقُّصُ في الضَّحايا أو تُضيف

وطُفْ دَهْراً فقد كرَّتْ دهورٌ
على الدُّنيا ، وأحرارٌ تطوف

ولم يَبْرَحْ بحيثُ نزلتَ ضيفاً
يُنيخُ الرَّحْلَ حُرٌّ مستضيف

هُنا الرأيُ العنيدُ أقامَ سَدّاً
عليه البغيُ – والفِكرُ الحصيف

ولا تخجَلْ فحيثُ وقفتَ ظلَّتْ
إلى غاياتِها تقفُ الأُلوف

ومِنْ حيثُ احتُجزِتَ مشى طليقاً
يَهُّزُّ الكونَ جبارٌ عَصوف

وأولاْءِ الذينَ لهمْ وجوهٌ
تُحَبِّبُ ، أو تُعَطِّفُ ، أو تخيف

وأجفانٌ ترِفُّ على عُيونٍ
تغورُ كما تَغوَّرَتِ الكهوف

وأسمالٌ لهمْ منها فِراشٌ
يُلَمُّ بها الثَّرى ولَهُمْ شُفوف

همُ المتقّحِمون الدَّهْرَ بأساً
به مِن وقعِ أرجُلِهمْ وجيف

فلا يُخذَلْ بمظهرِكَ الأليفُ
ولا يَطْمَعْ بِرُفقتكَ " العريف "

أطِلْ مكثاً فسوفَ يُزاحُ ليلٌ
تَلُفّكَ منه والدُّنيا سُجوف

ومِنْ هذي الكُوى سيُطِلُّ فجرٌ
ضَحوكٌ يملأ الدُّنيا كَشوف

ولم تَزَلِ الدُّنى من ألفِ ألفٍ
يُصرِّفُ من أعنَّتها " الرَّغيف "

تمرَّغَتِ الخدودُ مُصَعَّراتٍ
به ، واستُرْغِمتْ منها الأنوف

وظلَّ ابنُ " المطاحِنِ " مشمَخِراً
عليه الهامُ من فَزعٍ عُكوف

يدورُ الفِكرُ جباراً عنيداً
بحيثُ يدورُ والقلَمُ الرَّهيف

يُقِضُّ مضاجعَ الباغينَ منه
لكلِّ منامةٍ طيفٌ يطوف

وأني عرَّسوا أسرى إليهم
يُطيلُ عذابَهمْ وجهٌ مُخيف

تَخافُ شُذاةَ غَضبَتهِ أُلوفٌ
وتستجدي مودَّتهُ ألوف

وتُستاقَ الجيوشُ مُسَخَّراتٍ
لها من خوفِ زحفتهِ زُحوف

وكم جرَتِ الدّماءُ ، لها هَديرٌ
على حبَّاتِه وبها نزيف

وكم ألوى بها هذا النَّحيفُ
وهذا المستبِدُّ بنا العنيف

سَلِ التأريخَ كم زخَرَتْ شُجونٌ
بدفَّته وكمْ شُحِنَتْ حُتوف

وكم غادى ربيعَ الفكرِ فيه
من النَّزَّعاتِ عابرةً خريف

وكمْ ألقى على حيٍّ نزيلٍ
غُبارَ كِفاحهِ حيُّ خَلوف

وهلْ بالرَّغْمِ من هذا وهذا
تأبَّتْ منه ، دانيةً ، قُطوف

وهلْ دهرٌ أتى لمْ يَسْرِ فيه
يفيء ظِلالَهُ فِكرٌ وَريف

ولمْ تسحَبْ به الخطَرات ذيلاً
له في مسمعِ الدُّنيا حَفيف

أطِلْ مكثْاً إلى يومٍ تُوقّي
به كفَّيكَ ، أو تُلوى كُفوف

ودَعْ رُسْغَيهِما للقَيدِ نَهباً
لِنابَيه بلحمهِما صَريف

فمِنْ تأريخِكَ الألِقِ المدَّمى
تَبينُ بهذه النُقَطِ الحُروف

ومُلْكُ الدَّهرِ أنتَ بما توفّي
من الألمِ الذبيحِ وما تُعيف

ولَسْتَ مُخَّيراً في زمهريرٍ
تُشَتَي ، أو بجاحمةٍ تَصيف

ولا في أنْ يِمِسَّ ذويكَ ضُرٌّ
يَحيقُ بهمْ ومَظْلَمةٌ تَحيف

ولا آيِّ المصايرِ يحتويهمْ
وأيِّ نوىً تعاوَرهُمْ قَذوف

ولا أيِّ الجنينِ تُدِرُّ أمٌّ
رَءومٌ في مراضِعها رَءوف

ولا أيِّ الأكُفِّ بها تهاوى
ولا أيِّ السُمومِ لها تَديف

أطِل مكثاً فلمْ يَبْرَحْ أنيقٌ
رَشيقٌ في تأطّرهِ ظريف

يَتيهُ بحيثُ تَلتحِمُ الرَّزايا
عليكَ ، بحيثُ تَلْتَحِمُ السُقوف

مَشى فتعجَّبَ " الطاووسُ " منه
فقد ألوى بِمشيتهِ الزَّفيف

كأنْ لم تَضوِ إخوتَهُ سِياطٌ
ولمْ تَتحَدَّ أهلَهمُ الصُروف

بلى : وكأنَّ بُؤْسَهُمُ تليداً
له ولأهلهِ مَجْدٌ طَريف

أطِلْ مكثْاً إلى يومٍ تَلاقى
عليكَ بساحةِ الألمِ الصُفوف

أطِلْ مكثاً : وفاخِرْ أنْ خصماً
عَسوفاً خَصْمُهُ بغيٌ عسوف

ونَصِّبْ مِنْ جبينكَ فاللَّيالي
تُحاولُ ان تُخَوِّفَ مَنْ يُخيف

عسى أنْ لا يطولَ بكَ الوقوفُ
ومهما طالَ فالدُّنيا ظُروف