ألقت مراسيها الخطوبْ..
أَلْقَتْ مراسِيَها الخُطوبُ
وتَبَسَّمَ الزمنُ القَطوبُ

وانجاب عن صُبحٍ رضىٍّ
ذلك اللّيلُ الغَضوب

وادّال مِنْ صَدَأِ الحديد
على الثرّى أرَجٌ وطِيب

ومشى ربيعٌ للسَّلام
بِه تفتّحتِ القلوب

وتطامن الألمُ الحبيسُ
وأفرخَ الأملُ الرحيب

فجرٌ صدوق ربَّ حربٍ
رِبْحُها فجرٌ كذوب

الآنَ يَقْبَعُ في مهانَتِهِ
لتنتفضَ الشّعوب

وَحْشٌ تقلمتِ المخالبُ
منه واختفتِ النُّيُوب

مشتِ القصيدة للقصيدَةِ
يصرعُ الكَسِلَ الدؤوب

وتلّمس الدّرنَ الحكيمُ
وشخَّصَ الداءَ الطبيب

وتلاقتِ الأجيالُ في
جيلٍ هو النَّغَمُ الرتيب

جيلٌ توضحت المعالمُ
مِنْهُ وانجلتِ الغُيوب

وجرتْ على خير المقاييس
المحاسنُ والعيوب

فالمستظامُ " المستغَلُّ هو
الحسيب ، هو النسيب

والمستقيمُ هو المحكَّمُ
والصريحُ هو اللبيب

والمنطوي كبتاً يشد على
الضميرِ هو المريب

ومنزّهُ الآراءِ عن
تأويلِهِنّ هو الصليب

والمكتوي بلواذع الألم
العميقِ هو الأديب

ربّىَ القرونَ بكلّ حْجرٍ
طّيبٍ نِعمَ الربيب

شابتْ مفارقُهمُّ وأزمَنَ
لا يهِمُّ ولا يَشيب

ايام " رسطاليس " كانَ
بُعَيْدَ مولدِهِ يهيب

والسمُّ إذ " سقراطُ " يَجْرَعُهُ
ويحلِفُ لا يتوب

إذ قال للملأ العظيمِ
وكأسُهُ فيها شبوب:

" إني أكولٌ للحِمام
على مرارتِهِ شَروب"

أهلاً ، فانّكِ لا تُخيفين
العقيدةَ ، يا شَعُوب

وخيال " أفلاطون " والجُمْهور ،
والحكمُ الأريب

ما عابه أن ضيم فيه
" الرقُ " وامتُهِنَ " الجليب "

إن العقولَ تكاملٌ
من يُخطِ ينفعْ من يُصيِب

وتبارت الأجيال تنجح
بالرسالة ، أو تخيب

عصرٌ خصيبٌ بالكفاحِ
وآخرٌ منهُ جديب

شرِقٌ بأعوادِ المشانِقِ
أو بمذبحةٍ خصيب

يجري النعيمُ به وتَزْدحِمُ
العظائِمُ والكُروب

بازاء وَجْهٍ ناضرٍ
ألفٌ تلوحُّه السُّهوب

ومواكبُ الأحرار في
صَخَبِ الطُّغاةِ لها دبيب

وعواصفُ الظلم الفطيع
لها رُكودٌ أو هبوب

ومَعينُ فكرٍ في مَعينِ
دمٍ يَصُبّ ، ولأنضوب

ومشرّدون على المبادئ
حُقِّروا فيها وعِيبوا

سُدَّتْ مسالِكُهُمْ فما
ضاقتْ بمذهبِهمْ ثقوب

ضمنَ النعيمَ إنابةٌ
وأبى التحّررُ أن يُنيبوا

يتلقّفُ الأضواء نَجْمٌ
شعَّ من نجمٍ يَغيب

" فأبو العلاء " على نواميسٍ
مهرّأةٍ كئيب

ويهين " فولتير " النظام
وبالمشرع يستريب

وتعهد " الاوباشَ " – زولا -
فانجلى " الوحشُ " النجيب

فإذا به غير المواربِ
حين يَكُثُرُ من يروب

وإذا به وهو الكريب
يُثيرُ نَخْوَتَهُ الكريب

وإذا بأشتاتِ الطُيوبِ
يَلُمُّها هذا الجنيب

هذا المُهان لأنّهُ
من نِعمةٍ خاوٍ سليب

ولأنَّ مشربَه حثالاتٌ
ومطعَمَهُ جشيب

ولأنّه ذو مِعصم
لم يُزْهِهِ الحلقُ الذهيب

ولأنه في الأكثرينَ
الجائعينَ له ضروب

ولأنه بين " الصدورِ "
المجرمينَ هو الكُعوب!!

جيل تعاوَره الطلوعُ
- بما يُبشِّرُ – والغروب

يطفو ويحُجُبهُ – إلى
أمدٍ – من البغي الرسوب

حتى تلقَّفَهُ " لنينُ "
وصنْوُهُ البطلُ المَهيب

والعاكفون عليه أمّاتٌ،
وشبانٌ ، وشيب

فإذا به عبلُ السواعدِ
لا يزاحِمُهُ ضريب

تعنوا له الجّلى ويقصُر
عنده اليومُ العصيب

بالشعب تدعَمُهُ الجيوشُ
وتدعمُ الجيُشَ الشُّعوب

والرايةُ " الحمراءُ " تحتَ
ظلالِها تمشى القلوب

قالوا " السلام " فراح يستبقُ
البعيدَ به القريب

ودَعْوا ، فخف مجاوبٌ
وثوى صريعٌ لا يجيب

وتوثب العاني وأعوزَ
مُثخناً فيه الوثوب

طرح الأسيرُ قيودَهُ
وهفا لموطنِه الغريب

وتعطّرتْ بشذا اللقاءِ
ونفحةِ اللُّقيْا دُروب

في كلِّ بيتٍ بسمةٌ
كدراءُ أو دَمعٌ مشوب

غلب ابتسامَ الآيبين
بكاؤهم من لا يؤوب

رفَّت على أعشاشها
أرواحُ هائمةٍ تلوب

ذُعرٌ تخطفها الفراق
ومسَّهاً منه لغوب

ومشى . من " القبر " الرهيب
خيالُ مُحَترِبٍ يجوب

غطّى معالَمهُ شجاً
وتوحّشٌ ، ودمٌ صبيب

أصغى فَألْهَبَ سمعَه
من " هامة " الجدَثِ النعيب

وتمطتِ الأنقْاضُ عن
وجهٍ يؤمِّلُهُ حبيب

عن ساعدٍ ألوى على
جيدٍ كما اختلف الصّليب

وفمٍ مَراشِفُه ، للثم
أليفِها شوقا تذوب

وضمائرُ " الأجداث ِ" تشكو
ما جنى البشَرُ العجيب

ورمائمُ الأنقاضِ ، مما
استوعبت ، فيها شحوب

والنار تحلف .. من حصيد
لهيبها ذُعِرَ اللهيب

والحوتُ يَضْمَنُ رزقَه
بحرٌ بها فيه خصيب

للوحشِ مأدبةٌ عليها
ما يَلَذُّ وما يَطيب

وكواسر العِقبانِ يزهيها
من الجثث النصيب

ماذا تريد : حواصل
ملأى ومنقارٌ خضيب

والدود يسأل مقلةً
تدمى وجمجمة تخوب

هذي المطاعم : أيُّ طاهٍ
شاءها ؟ أهي الحروب؟

من مُبْلِغُ الثّاوينَ تُعوِلُ
عندهم ريحٌ جَنوب

والمفردَين عليهم
من كلِّ والفةٍ رقيب

والطفلُ يسأل من أبيه
أهكذا يَلِجُ المشيب؟

والكاعبُ الحسناءُ جفَّ
بنحرِها نَفَسٌ رطيب

واستنزَفَ الحِلْمَ الرغيبَ
بصدرها جُرحٌ رغيب

إنَّ الرياشَ المستجدّ
لكُمْ تَنُمُّ به الطيوب

والبيتَ يُنعشه رنينُ العودِ ،
والطفلُ اللَعوب

والدهرُ لم يبرح عليه من
الّصبا ثوبٌ قشيب

والأرض يُرقصها الشروقُ ،
كما عهدتم ، والغروب

وعلى الربيعِ غضارة
وعلى الأراكَةِ عندليب

والشمس يستُرُ وجهَها
بالغيم يُمْسِكُ أوْ يصوب

والخافقاتُ العاطفاتُ
بكم يُعِذَبُها الوجيب

ألقتْ مراسِيها الخطوب
وتبسمَّ الزمن القَطوب