عاصى الشَبابَ فَراحَ غَيرَ مُفَنَّدِ
عاصى الشَبابَ فَراحَ غَيرَ مُفَنَّدِ
وَأَقامَ بَينَ عَزيمَةٍ وَتَجَلُّدِ

مُتَحَيِّراً طَلَعَت لَهُ شَمسُ النُهى
فَمَشى عَلى سَنَنِ الطَريقِ الأَقصَدِ

دَرَجَ الكَرى في مُقلَتَيهِ وَرُبَّما
مُنِيَ الكَرى مِنهُ بِلَيلَةِ أَرمَدِ

أَيّامَ يَعتَلِجُ الصِبا في صَدرِهِ
بِرِضى المُدامَةِ وَالخِدالِ النُهَّدِ

إِنَّ الصِبا وَعَرَت عَلَيكَ سَبيلُهُ
فَتَنَكَّبَت بِكَ عَن وِصالِ الخُرَّدِ

قَعَدَ النُهى بِكَ عَن تَقاذُفِ صَبوَةٍ
خَطَرَت بِرَيعانِ الشَبابِ الأَغيَدِ

فَاِعمَد بِحَزمِكَ نَحوَ أَمرٍ واحِدٍ
وَقُدِ العَزيمَةَ بِالعَزيمَةِ تَنقَدِ

لَولا تُثيرُكَ عَن مَقامِكَ هِمَّةٌ
يَنجو بِها كَلَبُ الهُمومِ العُوَّدِ

جَهَلَ الزَمانُ وَعادَ في عاداتِهِ
فَلَبِستُهُ بِتَجَمُّلٍ وَتَغَمُّدِ

حَتّى خَرَجتُ مِنَ الحَوادِثِ لَم أَنَل
طَبعاً وَلَم أَقدَح بِزَندٍ مُصلَدِ

خَلَّفتُ وارِدَةَ الهُمومِ وَرُبَّما
لَحِقَت مُعَرَّسَ مَربَعي أَو مَورِدي

أَلقى الدُجى عَن مَنكِبَيهِ بِرَوحَةٍ
نَبَذَت بِهِ عَن فَدفَدٍ في فَدفَدِ

أَمّا النَهارُ فَإِنَّهُ لِمَضَلَّةٍ
بَيداءَ صادِقَةِ الهَواجِرِ صَيخَدِ

وَإِذا الدُجى اِلتَبَسَت فَأَوَّلُ طالِعٍ
في وَجهِها مِن جَيبِها المُتَوَقِدِ

يَغدو وَقَد أَسرى السُرى وَكَأَنَّما
غاداهُ بِالدُلُجاتِ لَيلُ الرُقَّدِ

رَكِبَ الضُحى حَتّى إِذا اِعتَنَقَ الدُجى
وَاِفتَرَّها عَن مُغرَبٍ مُتَوَقِّدِ

حَطَّ الرِكابَ إِلى جَنابِ مُحَمَّدٍ
مِن جُنحِ لَيلٍ كَالغَمامَةِ أَربَدِ

تَخدي العِرَضنَةَ قَد تَقَسَّمَ طَرفَها
وَضَحُ الطَريقِ وَخَوفُ مَسِّ المُحصَدِ

نَهَضَ اِبنُ مَنصورٍ فَأَدرَكَ غايَةً
قَعَدَت مَآثِرُها بِكُلِّ مُسَوَّدِ

مَلِكٌ إِذا الغاياتُ مَدَّت شَأوَهُ
سَبَقَ الجِيادَ وَفاتَ كُلَّ مُقَلَّدِ

أَعطى فَما تَنفَكُّ تُنزَعُ هِمَّةٌ
أَمَلاً إِلَيهِ مِنَ المَحَلِّ الأَبعَدِ

سَبَقَت عَطِيَّتُهُ مُنى مُرتادِها
وَاِستَحدَثَت هِمَماً لِمَن لَم يَرتَدِ

تِلكَ العُلا حُكِّمنَ في أَموالِهِ
فَأَعَضنَهُ مِنها جِوارَ الفَرقَدِ

زادَ الزِيادِيِّينَ جودُ مُحَمَّدٍ
شَرَفَ الحَديثِ مَعَ القَديمِ الأَتلَدِ

حَلّوا بِرابِيَةِ العُلا وَتَفَرَّعوا
مِن هاشِمٍ فَرعاً أَشَمَّ مُوَطَّدِ

بَيتاً تَطَنَّبَ بِالنُجومِ بِناؤُهُ
في ناطِحٍ سَقفَ السَماءِ مُشَيَّدِ

ما زالَتِ الأَيّامُ تَرفَع شَأوَهُ
وَيَزيدُ عَودُ السابِقِ المُتَزَيَّدِ

حَتّى إِذا بَلَغَ المَدى عارَضنَهُ
فَمَسَحنَ غُرَّةَ سابِقٍ لَم يَجهَدِ

أَغنى عَنِ البُخَلاءِ مُبتَدِرَ الغِنى
وَكَفى المُقَصِّرَ مِنحَةَ المُتَجَوِّدِ

لا يَدفَعُ الأَمَلَ القَريبَ لِعَودِهِ
في حينِ دَفعِ الغَيثِ حَمدَ الرُوَّدِ

يَتَجَنَّبُ الهَفَواتِ في خَلَواتِهِ
عَفُّ السَريرَةِ غَيبُهُ كَالمَشهَدِ

أَخَذَ الأُمورَ بِعَينِهِ وَضَميرِهِ
حَتّى أَقامَ لَهُنَّ قَصَدَ المَورِدِ

وَلَهُ إِذا فَنِىَ السُؤالُ مَذاهِبٌ
في الجودِ تَبحَثُ عَن سُؤالِ المُجتَدي

وَإِذا تُخُوِّفَت الأُمورُ يَرى لَها
رَأياً يَشُقُّ بِهِ اِعتِزامَ الأَصيَدِ

مُتَفَتِّقُ الآراءِ في جَمعِ الهَوى
يَخرُجنَ مِن نَجوى ضَميرٍ أَوحَدِ

يَفحَصنَ عَن رَجمِ الظُنونِ وَتارَةً
يَأخُذنَ بِالكَيدِ اِختِيالَ الأَكيَدِ

يَتَغَمَّدُ الأَيّامَ في نَزَواتِها
ثَبتُ المَقامِ عَلى اِقتِراحِ السُؤدَدِ

لا يَشتَكي أَلَمَ السِنينَ وَلا يُرى
قَنِعاً بِمَكرُمَةٍ إِذا لَم يَزدَدِ

وَالناسُ أَدنى مِنهُ أَو مُتَخَلِّفٌ
عَن شَأوِهِ مُتَقَدِّمٌ في المَولِدِ

جَدَّ الكِرامُ فَلَم يَنالوا سَعيَهُ
كَثرَتهُمُ هِمّاتُ مَن لَم يَجدِدِ

ما اِستَوقَفَ اللَحَظاتِ مَذهَبُ فِكرَةٍ
إِلّا وَفيهِ صَنيعَةٌ لِمُحَمَّدِ

يَستَصغِرُ الدُنيا إِذا عَرَضَت لَهُ
في هِمَّةٍ أَو نائِلٍ أَو مَوعِدِ

غَمرُ البَديهَةِ يُستَعَدُّ بِرَأيِهِ
لِبَديهَةِ الحَدَثِ الَّذي لَم يُعدَدِ

يَضَعُ العُيونَ عَلى المَطالِبِ جودُهُ
حَتّى يَكونَ لَهُ السُؤالُ بِمَرصَدِ

وَلَرُبَّ مُشتَمِلٍ عَلى دُكانِهِ
راضٍ بِفَضلِ الزادِ مِن مُتَزَوِّدِ

وَسِنٍ إِذا غَدَتِ الوُفودُ كَأَنَّما
كَلَأَ الكَواكِبَ لَيلُهُ لَم يَرقُدِ

مُتَعَذِّرِ الهِمّاتِ مُنقَطِعِ الغِنى
إِلّا مُقارَعَةَ الزَمانِ الأَنكَدِ

يُضحي إِذا سَنَحَت لَهُ إِحدى المُنى
قَنِعاً بِخَطرَتِها وَإِن لَم يورِدِ

لَمّا رَأى الآمالَ نَحوَكَ شُرَّعاً
يَصدُرنَ عَنكَ بِمِثلِ عَودِ المُبتَدي

شَرَعَت لَهُ نَفسٌ فَطالَعَ هِمَّةً
رَجَعَتهُ مَضموناً ثَناءَ الوُفَّدِ

زِدتَ الأَكارِمَ في المَكارِمِ شيمَةً
تَستَلُّ في الأَزَماتِ غِلَّ الحُسَّدِ

وَلَرُبَّما أَعطَيتَ شانِئَكَ الرِضى
فَغَدا بِغُلَّةِ حاسِدٍ لَم يَجحَدِ

تَأتي عَلى هَفَواتِهِ عَن قُدرَةٍ
بَدَراتُ راجِحِ حِلمِكَ المُستَأسِدِ

لا يَبعَدَن مالٌ رَبَيتَ بِهِ العُلى
فَحَصِدتَ فيهِ وَقُل لِعاذِلِكَ اِبعَدِ

فَلَأَنتَ أَمضى في الكَفاءِ وَفي النَدى
مِن باسِلٍ وَردٍ وَغادٍ مُرعِدِ

وَطِأَت بِكَ القَصَراتِ فَهيَ ذَليلَةٌ
هِمَمٌ مَدَدنَ إِلَيكَ طَرفَ الأَقوَدِ

أَعطَيتَ حَتّى مَلَّ سائِلُكَ الغِنى
وَعَلَوتَ حَتّى ما يُقالُ لَكَ اِزدَدِ

ما قَصّرَت بِكَ غايَةٌ عَن غايَةٍ
فَاليَومَ مَجدُكَ مِثلُ مَجدِكَ في غَدِ

قُصِرَت عَلى الإِسرافِ مِنكَ طَبيعَةٌ
بَسَقَت عَلى ذي الجودِ وَالمُتَجَوِّدِ

عَكَفَت عَلى الصَفصافِ مِنكَ عَزيمَةٌ
مِن رَأيِ مُكتَنِفٍ بِنَصرٍ أَيِّدِ

أَقدَمتَ وَالمُهَجاتُ تُلفَظُ وَالرَدى
مُتَحَيِّرٌ بَينَ الأَسِنَّةِ مُهتَدِ

وَالخَيلُ طاوِيَةُ العَجاجِ نَواشِرٌ
جُردٌ تَشاوَلُ في المَكَرِّ الأَجرَدِ

تَمضي عَلى نَهجِ الإِمامِ وَتارَةً
تَستَنُّ في الغاراتِ غَيرَ الأَحيَدِ

حَتّى اِفتَرَعتَ بِها السِهامَ وَدونَها
طَعنٌ بِأَعجازِ القَنا المُتَقَصِّدِ

وَتَنافَسَتكَ رِجالُها وَنِساؤُها
مِن بَينِ مَسلوبٍ وَبَينَ مُصَفَّدِ

وَأَشَمَّ بِطريقٍ كَأَنَّ صَليفَهُ
عُقِدَت مَفاصِلُهُ وَإِن لَم تُعقَدِ

مُستَسلِمٍ لِلمَوتِ يَعلَمُ أَنَّهُ
إِن لَم يَذُقهُ اليَومَ غَيرُ مُخَلَّدِ

عَجِلَت يَداكَ لَهُ بِضَربَةِ خُلسَةٍ
سَبَقَت بِحَدِّ السَيفِ حَدَّ المُجسَدِ

فَكَتِلكَ لا تِلكَ الَّتي ضاقَت بِها
كَفُّ الفَرَزدَقِ إِذ يُقالُ لَهُ قَدِ

ما نالَ حَمدَ القَولِ بَعدَ قِيامِهِ
فيها وَسَلِّ المَشرَفِيِّ المُغمَدِ

وَأَبوكَ يَومَ القَيرَوانِ وَقَد جَرَت
مُهَجُ المُلوكِ عَلى سُيوفِ الجُحَّدِ

سَدَّ الثُغورَ بِها وَقَد فَغَرَت لَهُ
بِالمَوتِ بَينَ مُبَيِّضٍ وَمُسَوِّدِ

يَوماً هَفَت فيهِ الأَعاجِمُ وَاِحتَسى
جُرَعَ الحِمامِ الفَضلُ غَيرَ مُعَرِّدِ

نَهَضَت بِهِم عُقَبُ الزَمانِ فَأَنجَدَت
سَيفَ الدَليلِ عَلى الأَغَرِّ الأَنجَدِ

لَمّا تَمَخَّضَتِ المَنونُ لِثَمِّها
وَتَعَضَّلَت بِالناكِثِ المُتَمَرِّدِ

ما غابَ حَتّى آبَ تَحتَ لِوائِهِ
رَأبُ الثَأى وَصَلاحُ أَمرِ المُفسِدِ

دَعَمَ الإِمامُ بِهِ قَواعِدَ مُلكِهِ
وَلَقَد تَطَرَّقَها اِنتِكاثُ المُلحِدِ

زَحَفَت لَهُم آراؤُهُ بِمَكيدَةٍ
مِن تَحتِ سَطوَةِ لَيثِ غابٍ مُلبِدِ

يَقضي عَلى مُهَجِ النُفوسِ وَإِن نَأَت
بِصَريمَةٍ مِن عَزمِ رَأيٍ مُحصَدِ

جَنَبَ الجِيادَ مِنَ العِراقِ شَوازِباً
يَقرَعنَ هاماتِ الصَفا بِالجَلمَدِ

مِن كُلِّ سامِيَةِ القَذالِ طِمِرَّةٍ
عَجلٍ تَرَوُّحُها وَإِن لَم تُطرَدِ

حَتّى وَرَدنَ القَيرَوانَ وَدونَهُ
مَغدى الضُحى وَمَبيتُ لَيلِ الهُجَّدِ

أَنهَجنَ في جَورِ السُهولَةِ مَنهَجاً
وَعَرَكنَ مَخزَنَةَ الطَريقِ الأَقصَدِ

أَطلَقنَ مِن أَيدي الخُطوبِ أَسيرَها
وَشَرَدنَ في جَمعِ القُلوبِ الشُرَّدِ

لَمّا رَآهُ المَغرِبِيُّ وَنارُهُ
شَعواءُ مُطفِئَةٌ لِنارِ المَوقِدِ

وَالخَيلُ تَشتَرِفُ الحِمامَ وَبَينَها
رَأيٌ تَسورُ بِهِ ظُباتُ مُهَنَّدِ

خافَ المَنِيَّةَ فَاِتَّقاهُ بِنَفسِهِ
في الغُلِّ مَلطومَ السَوالِفِ بِاليَدِ

طَلَبَ الأَمانَ وَما تَفَرَّقَ جَمعُهُ
وَسُيوفُهُ مَشهورَةٌ لَم تُغمَدِ

زَحَفَت بِهِ الأَيّامُ فَاِنقادَت لَهُ
بِزِمامِها نَخَواتُ كُلِّ مُقَوِّدِ

وَغَدَت بِهِ رِدفاً مَطالِعُ لَم تَزَل
تَجري لِمَنصورٍ بِطَيرِ الأَسعَدِ

لَبِسَ الأَمانَ بِهِ المُخافُ وَأَطرَقت
هِمَمُ المُريبِ وَثابَ كُلُّ مُشَرَّدِ