أَديرا عَليَّ الراحَ لا تَشرَبا قَبلي
أَديرا عَليَّ الراحَ لا تَشرَبا قَبلي
وَلا تَطلُبا مِن عِندِ قاتِلَتي ذَحلي

فَما حَزَني أَنّي أَموتُ صَبابَةً
وَلَكِن عَلى مَن لا يَحِلُّ لَهُ قَتلي

أُحِبُّ الَّتي صَدَّت وَقالَت لِتُربِها
دَعيهِ الثُرَيّا مِنهُ أَقرَبُ مِن وَصلي

أَماتَت وَأَحيَت مُهجَتي فَهيَ عِندَها
مُعَلَّقَةٌ بَينَ المَواعيدِ وَالمُطلِ

وَما نِلتُ مِنها نائِلاً غَيرَ أَنَّني
بِشَجوِ المُحِبّينَ الأُلى سَلَفوا قَبلي

بَلى رُبَّما وَكَّلتُ عَيني بِنَظرَةٍ
إِلَيها تَزيدُ القَلبَ خَبلاً عَلى خَبلِ

كَتَمتُ تَباريحَ الصَبابَةِ عاذِلي
فَلَم يَدرِ ما بي فَاِستَرَحتُ مِنَ العَذلِ

وَمانِحَةٍ شُرّابَها المُلكَ قَهوَةٍ
مَجوسِيَّةِ الأَنسابِ مُسلِمَةِ البَعلِ

رَبيبَةِ شَمسٍ لَم تُهَجنَ عُروقُها
بِنارٍ وَلَم يُقطَع لَها سَعفُ النَخلِ

تَصُدُّ بِنَفسِ المَرءِ عَمّا يَغُمُّهُ
وَتُنطِقُ بِالمَعروفِ أَلسِنَةَ البُخلِ

قَدِ اِستُودِعَت دَنّاً لَها فَهوَ قائِمٌ
بِها شَفَقاً بَينَ الكُرومِ عَلى رِجلِ

بَعَثنا لَها مِنّاً خَطيباً لِبُضعِها
فَجاءَ بِها يَمشي العِرضَنَة في مَهلِ

رَقى رَبَّها حَتّى اِحتَواها مُغالِياً
عَقيلَتَهُ دونَ الأَقارِبِ وَالأَهلِ

فَوافى بِها عَذراءَ كُلَّ فَتى نَدَىً
جَزيلَ العَطايا غَيرَ نِكسٍ وَلا وَغلِ

مُعَتَّقَةً لا تَشتَكي وَطءَ عاصِرٍ
حَرورِيَّةً في جَوفِها دَمُها يَغلي

أَغارَت عَلى كَفِّ المُديرِ بِلَونِها
فَصاغَت لَهُ مِنها أَنامِلَ كالذَّبلِ

أَماتَت نُفوساً مِن حَياةٍ قَريبَةٍ
وَفاتَت فَلَم تُطلَب بِتَبلٍ وَلا ذَحلِ

شَقَقنا لَها في الدَّنِ عَيناً فَأَسبَلَت
كَما أَسبَلَت عَينُ الخَريدِ بِلا كُحلِ

كَأَنَّ حَبابَ الماءِ حينَ يَشُجُّها
لَآلِئُ عِقدٍ في دَماليجَ أَو حِجلِ

كَأَنَّ فَنيقاً بازِلاً شُكَّ نَحرُهُ
إِذا ما اِستَدَرَّت كَالشُعاعِ عَلى البَزلِ

كَأَنَّ ظِباءً عُكَّفاً في رِياضِها
أَباريقُها أَوجَسنَ قَعقَعَةَ النَبلِ

ظَلِلنا نُناغي الخُلدَ في مَشرَعِ الصِبا
عَلَينا سَماءُ العَيشِ دائِمَةُ الهَطلِ

وَدارَت عَلَينا الكَأسُ مِن كَفِّ طَفلَةٍ
مُبتَلَّةٍ حَوراءَ كَالرَشَءِ الطَّفلِ

وَحَنَّ لَنا عودٌ فَباحَ بِسِرِّنا
كَأَنَّ عَلَيهِ ساقَ جارِيَةٍ عُطلِ

تُضاحِكُهُ طَوراً وَتُبكيهِ تارَةً
خَدَلَّجَةٌ هَيفاءُ ذاتُ شَوىً عَبلِ

إِذا ما اِشتَهَينا الأُقحُوانَ تَبَسَّمَت
لَنا عَن ثَنايا لا قِصارٍ وَلا ثُعلِ

وَأَسعَدَها المِزمارُ يَشدو كَأَنَّهُ
حَكى نائِحاتٍ بِتنَ يَبكينَ مِن ثُكَلِ

غَدَونا عَلى اللَذّاتِ نَجني ثِمارَها
وَرُحنا حَميدي العَيشِ مُتَّفِقي الشَكلِ

أَقامَت لَنا الصَهباءُ صَدرَ قَناتِها
وَمالَت عَلَينا بِالخَديعَةِ وَالخَتلِ

إِذا ما عَلَت مِنّا ذُؤابَةَ شارِبٍ
تَمَشَّت بِهِ مَشيَ المُقَيَّدِ في الوَحلِ

فَلا نَحنُ مِتنا ميتَةَ الدَهرِ بَغتَةً
وَلا هِيَ عادَت بَعدَ عَلِّ إِلى نَهلِ

وَساقِيَةٍ كَالريمِ هَيفاءَ طَفلَةٍ
بَعيدَةِ مَهوى القُرطِ مُفعَمَةِ الحِجلِ

تَنَزُّهُ طَرَفَي في مَحاسِنِ وَجهُها
إِذا اِحتُثَّتِ الطاساتُ يُغنى عَنِ النُقلِ

سَأَنقادُ لِلَّذاتِ مُتَّبِعَ الصِبا
لِأُمضِيَ هَمّي أَو أُصيبَ فَتىً مِثلي

هَلِ العَيشُ إِلّا أَن أَروحَ مَعَ الصِبا
وَأَغدو صَريعَ الراحِ وَالأَعيُنِ النُجل