إِلى أيِّ حينٍ أُرسِلُ الشّعرَ شاكِيَا
إِلى أيِّ حينٍ أُرسِلُ الشّعرَ شاكِيَا
وَحتى مَتى أرعَى النّجُومَ الدّرَارِيَا

وَتطلُبُ نفسي من زَماني صَداقةً
وَهَيهاتِ أن تَلقَاهُ إِلاّ مُعَادِيا

تَحُطّ الرّزايا رَحلَهَا عِندَ خَافِقٍ
بِسَفحِ ضُلوعٍ ساكِنَاتٍ شمالِيَا

وتمشي عَلى إِثرِ اللّيالي التي غَدَت
بصَدري دَلِيلات الرّزَايا هَوَادِيَا

أُزَحزِحُ قُطبَ النّفسِ عن مُستَقَرّهِ
وأدمي فُؤادي إن بَعَثتُ القَوَافِيَا

أذلك ذَنبي يَا زَمَانٌ بِأنّني
قَضَيتُ مَشيبي في الوَفا وَشَبابِيَا

ولي حَسَنَاتٌ يا زَمَانُ كَثيرَةٌ
فَما لَكَ تَرويهَا عَلَيّ مَساوِيَا

خُلِقتُ ولي نَفسٌ تجُولُ لَدى العُلى
وَلَو كانَ فَوقَ الأرضِ جسميَ ماشِيَا

فَمَهما تَرَامَت بي يداكَ فإنّني
عَلى الرّغمِ لم أبرَح أشِيدُ الأمانِيَا

عَلى أنها دنيَا لكُلِّ زَمَانُهُ
ولا بُدّ في دُنيَايَ ألقى زَمانِيَا

فَلا تحسبوا أني أُصِبتُ بِجنّةٍ
إِذا جَنّني لَيلي وَبِتُّ مُنَاجِيَا

فذلك دأبي مُذ دبَبتُ وشِيمَةٌ
شَبَبتُ عَلَيها إن ذكرتُ بِلاديا

مغانٍ شَدَوتُ الأمس حُبّاً بذكرِها
فأصبَحتُ أبكي اليَومَ تلكَ المَغانِيَا

أناخَت عَوَادي الدَّهرِ فيها رحالها
غَداةَ تعَدّت طَودَهَا والرّوَابِيَا

أُعَلّلُ نَفسي بِالقَوافيَ تاَرَةً
وَطَوراً تَرَاني شَاخِصَ الطرف ساهِيَا

أحُثّ مَطَايا الفِكرِ نحوَ ديارِهم
غَداةَ سَطَا دَهري فَقَصّ جَنَاحِيَا

وَأذكُر أوطَاني وللعينِ أدمُعٌ
وفي القَلبِ نارٌ إن تذكّرتُ آلِيَا

ألا لَيتَ شِعري هَل غَديرٌ أُحِبّهُ
تعلَّمتُ منهُ النّوحَ ما زالَ جارِيَا

وهل ذلكَ الوادي الذي بِشمالِهِ
ترَعرَعتُ حُرّاً يذكُرُ اليوم نائِيَا

وَهل نَسَماتٌ عِند صِنّينَ لم تَزَل
مهينمَةً تدري بحالي وما بِيَا

وَيا نبعَهُ هَلاّ لقَلبي جرعَةٌ
من المَاءِ أحسوها فتحيي فُؤاديَا

فللهِ عَيشي فيه كَم كان مخصباً
وللهِ عَيشي فِيهِ كَم كانَ حالِيَا

أُقَلّبُ طَرفي في محِيطي فَلا أرَى
منَ القَومِ إِلاّ خاليَ البالِ لاهِيَا

رُوَيدكُمُ يا قَومُ فالجوعُ قد سَطَا
وعَمّ فأعمى النّائِحاتِ البَوَاكِيَا

رُوَيدكُمُ يا قَومُ فالوَطَنُ الّذى
تدَفّقَ مِنهُ الخَيرُ قد صارَ خالِيَا

كَأني بِسوريا وَقَد طَالَ عَهدُها
عَلى مَضَضِ الأَيّامِ تخشى التّلاشِيَا

كَأني بِلُبنَان وَقَد نَطَحَ السُّهَى
وَعَينَاهُ تجتازُ البُحُورَ الطّوَامِيا

يَشقّ عَلَيهِ أن يَرَى كُلّ نازِحٍ
سَقاهُ زُلالاً يُنكرُ اليوم ساقِيَا

هنالكَ خلف البَحرِ أرضٌ بعيدةٌ
أُديرُ إِلَيها كُلّ حينٍ لحاظِيَا

أفَكّرُ في ما قد غَشاها مِنَ الأسى
فَأثني عنانَ الفِكرِ جَذلانَ باكِيَا

لِعِلميَ أن لا بُدّ للقَمَرِ الّذي
عَرَاهُ خسوفٌ أن يُنيرَ الدّياجِيَا

فَكَم نَكبَةٍ كانت سَبِيلاً إِلى العُلى
وكَم يستطيبُ الماء مَن كان صَاديا

نَذُمّ الدواهِي إن دهتنَا ورُبّمَا
إذا رَحَلَت عَنّا مَدَحنا الدّواهِيا

فما هِيَ إِلاّ كالغيومِ إذا انجَلَت
تُخَلّفُ جَوّاً مشرِقَ الوَجهِ صَافِيَا