خطرات - عبدالله البردوني
قال لي : هل تحسّ حولك رعبا
و عجاجا كالنار طار وهبّا ؟
فكأنّ النجوم شهقات جرحي
جمدت في محاجر الأفق تعبى
***
قلت : إنّ الطريق شبّ عراكا
آدميّا في أجيف الغنم ... شبّا
فكأنّي أشتمّ في كلّ شبر
ميته تستثير كلبا ... و كلبا
أقوياء تفنى الضّعاف و تدعو
خسّة الغالبين نصرا و كسبا
***
قال : إنّا نبكي الضعيف صريعا
و نهني القويّ رغبا ورهبا
زعم المرء أنّه علّة الدنيا
فأشقى ما هبّ فيها و دبّا
واستباح ابنه و أردى أخاه
و تولّى تراث قتلاه غصبا
فكأنّ الثرى رفات ضحايا
زوّرتها السنون طينا و عشبا
***
قلت : لا توقظ " المعرّي " فيلقى
" أمّ دفر " أغوى خداعا و أصبى
ويرانا أخسّ من أن يثير الهجو
أو نستحقّ نقدا و سبّا
لا تذكّر " أبا العلا " إنّ جيل اليو
م أضرى من جيل أمس و أغبى
***
و هنا قال صاحبي : لا تعانى
فترى ألمع المحاسن ذنبا
يا أخي : و الهوى يصمّ و يعمى
كيف ترضى الهوى دليلا وركبا ؟
فتأمّل تجد صراعا … كريما
و صراعا جمّ النذالات خبّا
و قتيلا يغفو و يسهر ثارا
و شهيدا يندى سلاما و حبّا
و دما في الثرى تجمّد جمرا
و دما في السماء أرقّ شهبا
و نفاحا أخزى هجوما و تربا
سمّدته الدماء فاخضرّ خصبا
***
و ذكرنا أنّا نسير و أغفى
جهدنا و الطريق ما زال صعبا
دربنا كلّه عجاج و ريح
كفّنت جوّه رمادا و حصبا
و ظلام تألّه الشرّ فيه
و تمطّى شيطانه فتنبّى
و صراع إن أطفأ الضعف حربا
شبّ حقد الرماد حربا فحربا
***
كيف نسري ؟ وراءنا عاصف يطـ
غى ؛ وقدّامنا أعاصير نكبا
يتلهّى بخطونا عبث الريحين ،
دفعا إلى الأمام وجذبا
قلت : ليت الممات ينهي خطانا
قال : ما كلّ من دعى الموت لبّى
يا رفيقي : ألموت شرّ ... و أدهى
منه ... و أنّا نريده و هو يأبى
***
قال لي : لا تقف : تقوّ بزندي
فمضينا نشدّ بالجنب جنبا
واتحدنا جنبا كأنّا اختلطنا
و جمعنا القلبين في الجنب قلبا
فاهتدى سيرنا كأنّا فرشنا
لخطانا مباسم الفجر دربا
وانتشى جوّنا انتشاء النّدامى
و أدار النجوم أكواب صهبا
يشعل الحبّ من دجى الأفق فجرا
يسفح العطر في طريق الأحبّا
***
و نظرنا في الأفق وهو بقايا
من ظلام محمرّة الوجه غضبى
و خيال السّنى يجرّب عينيه
فيطوي هدبا و يفتح هدبا
و سألنا : فيم التعادي ؟ و فيما
نخضب اللّيل بالجراحات خضبا ؟
و لماذا نجني المنايا ... بأيدينا ؛
و نرمي الحياة في الترب تربا ؟
و الروى أخوة ففيم التعادي ؟
و هو أخزى بدءا و أشأم عقبى ؟
أمّنا الأرض " يسعد الأمّ " أن
تلقى بنيها صبّا يعانق صبّا