فارس الاصطياف - عبدالله البردوني

كان اسمه ((يحيى)) وكان يوافي
بيتا ، من الميعاد والأحلاف

وأفاء أول مرة كمحدّف
أعطى الضيّاع ، قيادة المجداف

وغداة حيّى الباب قطّب لحظة
وصفا كوجه الوارث المتلاف

وهفا إلى لقياه ، انظر مدخل
تومى روائحه ، إلى الأضياف

وأناه ثانيه ، فماس أمامه
ثوب ، كوشي الموسم الهفهاف

فكأن كل خميلة ألقت على
كتفيه أردية ، من الأفواف

ماذا وراء الثوب ؟ فجر راسب
يهوى ويستحي وفجر طاف

ورنا إلى الشباك ، يرجو فاختفت
وارتد بالوعد الجلي الخافي

وغدا إليه ، فرفّ شيء ، ظنّه
حسناء ، ترفل في ثياب زفاف

ودعى ((حسناء)) مرة فأجابه
صوت ، كساقيه من الاصداف

فاشتم اترف ربوة أجنت له
ودنا ، فغابت عن يد القطّاف

فهنا مزار من طفولات الضّحى
ومن الشذر ، وأصايل الأصياف

يمضي إليه ، على الحنين وينثني
منه على فرس من الأطياف

هي تعده ، ويرتجي ميعادها
وسدىّ يعنقد خضرة الصفصاف

فيرود كالسمسار ، متجر عمّها
ويشيد ، بالبيّاع والأصناف

ويعود قبل العصر ، يقصد جدّها
في البيت ، يطري حمقه ويصافي

ومضى يصادق عند مدخل بابها
مقهى ، وبابا كالخفير الجافي

وبلا محاولة رآها مرّة
جذلى كحقل الزنبق الرفّاف

كان المساء الغضّ عند رجوعه
حقلا ربيعيّا ، ونهر سلاف

حقا رآها كالضحى ، والبوح في
نظراته ، كالطائر الخواف

خلف الزّجاج تبرجت وأظلها
شعر ، كأهداب الغروب الصافي

كانت تغني حنذاك وتنتقي
ثوبا وترمي بالقميص الضافي

وأمام مرآة ، تعرّي نصفها
وتموج تحت المئزر الشفاف

لم لا يناديها ؟ وكيف ؟ ويختفي
عنه اسمها ، ويضيع في الاوصاف

شفقية الشفتين ، كحلى ناهد
صيفية ، ثلجية الاعطاف

وخلى الطريق ، فلم يصخ إلا إلى
أصدائها ، وعبيرها الهتاف

ومشى يحدّق والذهول الحلو في
عينيه يبسم كالصبي الغافي

ويعيد رؤيتها ويحضن ظلها
ويمد آمالا ، بلا أطراف

ويعي ، فيتهم المنى ، ويعوده
حلم سخي الهمس والارجاف

فيشيد مملكة ، ويستولي على
أسمى الرؤوس ، وأعرض الأكتاف

ويرن مذياع فيمسي مطربا
في زحمة التصفيق والأرهاف

يشدو ، فتحتشد المسامر حوله
موّاجة الأثداء ، والأرداف

وبمدّ خطوته قيركض ((عنتر))
في صدره ويكرّ ، ((عبد مناف))

فيغير ، يطعن ، أو يجوز فلانة
وفلانة بشريعة الأسياف

فإذا اسمه ، أخباركلّ مدينة
واذا صداه مسامر الأرياف

وتلين خطوته ، فيصبح تاجرا
تكسوه ، أبهّة من الآلاف

إن النقود مفتاح كل مقاتل
ما كان اصدق حكمة الاسلاف!

من كان أوضع من (( مثنّى)) فاحتوى
مالا ، وأصبح أشرف الأشراف

سأفوق من أثروا ، وتخبر جدّتي
أن الزّمان يرقّ بعد جفاف

وتقص أمي كيف كان دعاؤها
حولي قناديلا ، تضيء مطافي

وانجر يهمس ، للطيوف ويجتلي
وعدا، من الأغداق والإسراف

ويحول الدنيا ، بلمعة خاطر
قيثارة ، موهبة العزّاف

فيعد مشروعا ، وينجز ثانيا
كالبرق ، يحمله إلى الأهداف

وغدا ، ستخبر كلّ بنت أمّها
عنه ، وتحسد أختها وتجافي

وتنافس الحلوات بنت مزاره
فيه ، وتكمنح بلا استعطاف

وإلى مدى التحليق يرفعه هوى
وهوى يخوض به مدى الاسفاف

ورنا ، بلا قصد ، فخال تحركا
يدنو كقطّاع من الاجلاف

من ذا هناك ؟ وكان يسعل حارس
ويقص ثان فرقة الألاف

وأجاب هر هرة فأجال في
وجه السكون توسم العرّاف

فاعتاده شبح عليه عباءة
شعثا ووجه كالضريح العافي

واحتج منعطف أطارت صمته
ونعاسه نقالة الإسعاف

ماذا دنا منه ؛ توثب غابة
من اذرع صخرية الاخفاف؟

ومشى كمتهم تكشرّ حوله
وحشية المنفى ووجه النافي

وأشار مصباح فانكر وجه
ويديه في ايمائه الخطاف

ورأى هواجسه على ظلّ الدجى
كدم الشهيد على يد السّياف

وأحس عمته تقول لأمه :
رجع ابن قلبك : فأمني أو خافي

وهناك أخبره التعثر أنه
يمضي ويرجع وهو طاو حاف